سهيلة عبد الباعث الترجمان

235

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

يكون ثمّ وجودان مختلفان أو متماثلان ، فالجمع على الحقيقة أن تجمع الوجود عليه ، فيكون هو عين الوجود " « 1 » . هكذا يصف ابن عربي الحق بالوجود على حين ينفي ذلك عن الموجودات لافتقارها إليه تعالى وانعدام كل شيء معه ، فاللّه هو الموصوف بالوجود على الحقيقة ولا شيء من الممكنات موصوف بذلك ، فالحق هو عين الوجود وذلك مصداقا لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم " كان اللّه ولا شيء معه " « 2 » وهذا حكم بالوجود للحق دون سائر الأشياء فهو إذن الوجود الحق . لذلك يميز ابن عربي بين الوجود بالمعنى " الحقي " أي ما يتعلق بالحق أو اللّه وبين الوجود الكوني بمعناه كل ما سوى اللّه تعالى . فلكل وجود من هذين الوجودين مفهومه الخاص لديه ، وقد رأينا ما عناه بالوجود أنه " عين الحق " . وما يعنينا الآن معرفة الوجود بمعنى الموجود ، وقيامه إنما بذلك الوجود الواجب بذاته ، فإذا زال بقي الوجود كما هو ، ولولاه لما كان موجودا ، وعليه فالوجود غير الموجود ، إذ أن الوجود هو الواجب ، والموجود هو الممكن ، وهو العالم ، وفي ذلك نجده يقول : نون الوجود تدل نقطة ذاتها * في عينها على معبودها ، فوجودها من جوده ويمينه * وجميع أكوان العلا من جودها فانظر بعينك تصف عين وجودها * من جودها تعثر على مفقودها « 3 » نتبين من خلال هذه الأبيات أن الوجود مرتبط بوجوده تعالى وبجوده ، لأنه قائم بذاته ، وقد أطلق الحق تعالى اسم الوجود من حيث هو قائم بذاته ، وتقوم به الأشياء ، فهو جود ووجود في آن معا ، وتسميته تعالى بالوجود من باب تسمية الشيء بجنسه ، واللّه تعالى ليس بشيء ولا من شيء ، فهو وجود كامل جواد ، مريد لكل شيء بجوده ، ومن هنا فإن الوجود بمعنى الكون يرتبط بوجود الحق من حيث كرمه وجوده ، وليس هو الاسم الذي يعرف به الحق لدى أصحاب وحدة الوجود ، إذ أنه الوجود الواحد من غير مشاركة ، ومن ثم نجده يقول :

--> ( 1 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ( بولاق ) ، ص 680 . ( 2 ) الحديث : " كان اللّه ولا شيء معه " سبق تخريجه . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ( بولاق ) ، ص 98 .